خُدام مأتم آل معراجشؤون اجتماعيةشخصيات من النويدراتعن المأتم

السيرة الذاتية للمرحوم الحاج أحمد بن معراج مال الله

سيرة مؤسس مأتم آل معراج

مولده ونشأته:

ولد الحاج أحمد بن معراج رحمة الله عليه سنة 1896م. (أواخر القرن التاسع عشر الميلادي) بإحدى قرى البحرين وهي قرية النويدرات، التي تقع شمال معمل تكرير النفط (المصفاة)، وكان أكبر إخوانه (الحاج مدن والحاج علي).

نشأ في بيت فاضل، حتى إذا بلغ السادسة من العمر أدخله والده إلى مكاتب التعليم الديني (الكتاتيب) ليكتسب مهارة القراءة وقراءة القرآن الكريم وسيرة النبي وآل بيته الطيبين الطاهرين عليهم السلام. وقد تتلمذ على يد مجموعة من علماء الدين الأفاضل في البحرين منهم المرحوم الشيخ محمد بن سلمان الستري والد المرحوم الشيخ منصور الستري، الذي كان يصطحبه في زياراته للخارج كالقطيف حيث وجد فيه حدة الذكاء وحضور البديهة، وكانت هذه المصاحبة ذات أثر عظيم وبارز في تنمية شخصيته الدينية والاجتماعية وتنمية ملكاته العقلية كما ساعدته على تفهم أحكام الشرع الحنيف، وقد كانت له زيارات متعددة للديار المقدسة حاجا وزائرا.

مارس طوال حياته مجموعة من المهن التي عرفها الإنسان البحراني حينما كان شظف العيش وقسوته يبسط هيمنته على الناس، ومن المهن التي زاولها في حياته التي تربو على السبعين الاشتغال بمهنة بيع السمك (جزاف) وزراعة النخيل والحلاقة والغوص (سيب)، والتطبيب الشعبي الذي مارسه كعمل خيري يقصد به وجه الله سبحانه وتعالى كخلع الأسنان والفصادة للذين يصابون بمرض الخناق وقد اشتهر لدى عامة الشعب البحريني حينها بمهارته في معالجة هذا المرض ومن الجدير ذكره أنه كان رحمه الله يرفض أن يأخذ أي مكافأة مالية عندما كان يقوم بهذا العمل، وقد ثبت أنه يخرج من بيته وفي أي ظرف لمعالجة من أصيب بالخناق ولجأ إليه لأنه كان يعتقد جازما بأن إحياء نفس واحدة هو إحياء للناس جميعا، وقد تتلمذ على يديه في هذه المهنة وحذق فيها الحاج عيسى بن علي بن سرحان وهو امتداد حقيقي له في هذا الدور، علما أن والده المرحوم الحاج علي بن سرحان كان صديق عمره، وكذلك زاول مهنة النجارة والتي استمرت معه إلى نهاية حياته، وكان المنبر الموجود قديما في المأتم الوسطي والمعروف بمأتم آل معراج والذي هو أحد مؤسسيه من صناعته (نجارته) ويوجد على المنبر كم هائل من النقوش والزخرفة وكان منقوش في الذراع الأيسر للمنبر (إن لم تخني الذاكرة) ما يلي:

علي أحمد إنا
بمن سميت قد فزنا

وهذا المنبر السامي
لسبط المصطفى صغنا

ولذا أرخنا له
سعادتنا أو مسرتنا

 

اهتمامه بالعلم:

لقد كان رحمه الله مصاحبا للعلماء المشهورين في البحرين، وقد تلقى العلوم الدينية على أيديهم، وقد قاده ذلك إلى تنمية ملكاته العقلية، فأصبح شغوفا بالعلم واكتساب المعرفة شغوفا بالقراءة والاطلاع على الكتب الدينية والأدبية والتاريخية ولديه ميول لقراءة الشعر وبالذات المراثي أو ما اصطلح على تسميته بأدب الطف، وهو شاعر متمكن سخر شعره وحافظته وقلمه الناسخ في خدمة العقيدة التي يدين بها وله ديوان شعري غير مطبوع، وكان لسان شعره وحاله و يقول:

بذلت لنصر الحسين نفسي وفتيتي
فلا تبخلوا بالدمع يا شيعة الحق

كما جمع ديوان فوز الفائز للخطيب المعروف الملا علي بن فائز رحمه الله تعالى، ومن علماء البحرين الذين رافقهم وتشرف بصحبتهم (الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن صالح، الشيخ محمد علي المدني، الشيخ إبراهيم المبارك، الشيخ عبد الله المصلي، الشيخ حسن المعاميري، الشيخ علي بن الشيخ عيسى، الشيخ جعفر القطيفي، الشيخ علي بن الشيخ جعفر القطيفي، الشيخ عباس الجزيري، الشيخ حسين بن عباس الجزيري.. وآخرون). وقد حظي بثقة هؤلاء جميعا وكانوا يعجبون بالآراء التي يبديها في كثير من القضايا الاجتماعية والشرعية التي يطلب منه الناس الفصل فيها، وقد كسب صيتا طيبا طيلة حياته، وكانت له مراسلات مع المرجعيات الدينية خارج البلد في الشأن الديني، وقد قام باستنساخ بعض الكتب التي كان يرى أنها ذات قيمة معرفية وشأن ديني، وعرف بأن له محاورات مع العلماء والخطباء حتى أضحى مهاب الجانب وكان الكثير من الخطباء على حذر مما يقولونه على المنبر حين حضوره، وكانت تربطه علاقة صداقة ومحبة متميزة مع الخطيب والشاعر الكبير الملا عطية بن علي الجمري ونجله الملا يوسف وكانا الخطيبان الرئيسيان للمأتم الوسطي والذي يحمل اسمه طيلة سنوات.

وكان رحمه الله يتصدر في كل عام المواكب العزائية الحسينية ويشرف على إدارتها وتنظيمها ويعاونه في ذلك جماعة من المؤمنين حيث تتحول مأساة كربلاء إلى مسرحية عامة يجسدها أهالي القرية في سوقهم القديمة والمعروفة (بالبرية) ثم ينطلق موكب العزاء من القرية (النويدرات) إلى المعامير ويحدد للأفراد أدوارهم في الموكب، وظلت هذه المواكب العزائية مهابة الجانب ودقيقة التنظيم حتى انسحابه من هذا الدور لتقدمه في السن وترك أمر إدارتها للشباب الذين أثروا موكب العزاء وطوروه بما يتماشى مع الظروف الزمنية.

اشتهر رحمة الله عليه بالجرأة والشجاعة وقول الحق والدفاع عن المظلومين وإصلاح ذات البين مهما كانت قسوة الظروف، وكان يهتم كثيرا بحل النزاعات التي تنشأ بين أفراد المجتمع وكان ما يصدر عنه مقبول من الناس لثقتهم الكبيرة في رجاحة رأيه، وكان مجلسه مفتوحا يؤمه القاصي والداني ويحضره العلماء والعامة.. كما أن هذه المواقف قد حببته في قلوب عامة الناس، وكان لا يخشى في الله لومة لائم؛ لأنه كان يرى أنه يقوم بواجبه الديني والوطني كمسلم ولا يجوز له التفريط في هكذا دور، وقد سببت له هذه الخصلة الكثير من التبعات والمشاكل مع المصلحيين والمنتفعين، علما أنه كان أحد أعضاء الهيئة التنفيذية العليا (لهيئة الاتحاد الوطني) التي قوامها 120 شخصية وطنية والتي اجتمعت في 13 / أكتوبر سنة 1954م. في مأتم بن خميس بعد أسبوع من الاجتماع التمهيدي الذي انعقد في مسجد الخميس والتي تركزت مطالبها في:

  1. تأسيس مجلس تشريعي يمثل أهالي البلاد تمثيلا صحيحا عن طريق الانتخابات الحرة.
  2. وضع قانون عام للبلاد جنائي ومدني.
  3. السماح بتأليف نقابة للعمال.
  4. تأسيس محكمة عليا للنقض والإبرام.
  5. وقد مثلت هيئة الاتحاد الوطني أبرز تجربة للوحدة الوطنية من الطائفتين الكريمتين الشيعة والسنة.

ذكرى مريرة:

لقد داهمته رحمه الله وألمت به الكثير من بلايا هذه الدنيا ومحنها، وكان صابرا محتسبا بما في ذلك فقده لجميع ولده بما فيهم ابنته فاطمة التي كانت متزوجة، ولكن الذي هد كيانه وأبان ضعفه فقده لأعز أبنائه (علي) الذي كان يخشى عليه من ظله، وكان يتوسم فيه الخير والبركة، وبلغت محبته لهذا الابن البار به أن سمى ابنه الوحيد الذي تبقى له باسم الفقيد تخليدا لذكراه وتيمنا به، وظل يذكر ابنه الفقيد كثيرا وفي كل المناسبات، ويقول مجالسوه إن الحديث عن هذا الابن استمر معه إلى أن فارقت روحه هذه الدنيا حتى أن عينيه تغرورقان بالدموع وهو يذكر سجاياه ومناقبه، وبلغت محبته لهذا الابن أن أغمي عليه عندما علم بموته المفاجئ، ومع هذا فقد سيطر على نفسه وقاد زمام أمره رابط الجأش راضيا بقضاء الله وقدره حتى الانتهاء من تشييعه ودفنه، وعندما وضع ابنه في قبره وضع يده تحت جسده مرددا ما قالته العقيلة زينب ظهر يوم العاشر من المحرم وهي تضع يدها على جسد أخيها المقطع سيد الشهداء الإمام الحسين (اللهم تقبل منا هذا القربان).. وكان هذا الشاب في العشرين من عمره تقريبا عندما وافاه الأجل وكان والده يحبه كثيرا لذكائه الحاد ودماثة خلقه وطيب معشره، وصفاته القيادية الواضحة فيه منذ الصغر، وكان يعتمد عليه كثيرا ويرى فيه الامتداد الحقيقي له ولنهجه، وكان رحمه الله يتوسم فيه الشخصية الرسالية القادرة على خدمة شرع الله وتوضيح أحكامه، فهو على صغر سنه كان متدينا وشاعرا ومتكلما عذب الصوت، يتصدر الموكب العزائي من قريته النويدرات إلى المعامير والعكس وكان محل ثقته وثقة أهالي القرية صغيرهم وكبيرهم لذلك كان يوم فقده يوم حزن عام لجميع أفراد القرية والقرى المجاورة، وتخليدا لذكراه فقد ثبت عامدا اسم ابنه (علي) بعد اسمه مباشرة في ديون فوز الفائز الذي عني بجمعه ليكتب على غلاف الديوان (عني بجمعه الحاج أحمد علي بن معراج) مع أن اسمه الحقيقي الحاج أحمد بن معراج، كذلك الأبيات التي نقشها بنفسه على الذراع الأيسر للمنبر توضح علاقته وارتباطه بابنه وبأهل بيت النبوة والطهارة.

علي أحمد إنا
بمن سميت قد فزنا

وهذا المنبر السامي
لسبط المصطفى صغنا

ولذا أرخنا له
سعادتنا أو مسرتنا

 

مرض الوفاة:

بعد رحلة شاقة قضاها في أعمال الخير والصلاح والإصلاح، وبعد أن تقدم به السن داهمت جسده كثير من الأمراض، ولكن المرض الذي أرهقه وأخذ منه مأخذه هو ضيق التنفس فأدخل على وجه السرعة مستشفى الإرسالية الأمريكية فأجريت له الفحوصات الطبية اللازمة، ثم حول إلى مستشفى النعيم بتوصية من أطباء المستشفى وظل الأطباء يتابعون حالته الصحية إلا أن إرادة المولى عز وجل شاءت أن تحلق روحة الطاهرة وان تلتحق بمن سبقوه من الصالحين وذلك ليلة يوم الثلاثاء، الواحدة صباحاً في20 من يناير 1970م الموافق 12ذو القعدة سنة 1389هـ. وقد أدى صلاة الجنازة على روحة الوقور فضيلة الشيخ حسين بن الشيخ عباس الجزيري رحمه الله والذي أبى إلا أن يشارك المشيعين في تشييعه سيرا على الأقدام وراء نعشه رغم تقدمة في السن وبعد المسافة من المغتسل إلى مقبرة القرية وقد دفن بالقرب من ولده (علي)، وتجدر الإشارة إلى أن تشييعه كان تشييعاً كبيرا رغم أن الذين حضروا التشييع هم فقط من أهالي منطقته (النويدرات – العكر- المعامير- قرى سترة) إذ أن محبيه لم يصلهم خبر وفاته، وقد تجلى بوضوح حب الناس إليه أثناء إقامة العزاء (الفاتحة) على روحة حيث توافد على المأتم حشد كبير من الناس الطيبين والمحبين، ومازال قبره الشريف معروفا ومعالمه باقية إلى يومنا، فرحم الله الفقيد رحمة الأبرار.

‫2 تعليقات

    1. الحاج أحمد بن معراج بن حسن مال الله رجل معروف في قرية النويدرات وما حولها له وجاهة ومكانة، وصاحب خدمات للناس وخصوصا في مجال ( الفصادة) التي تنقذ المصابين بالخناق، وقد رأيناه ونحن أطفال صغار يتصدر المجالس، ويوقر بين الناس، ثم عاشرناه ونحن فتيان في بدايات الشباب، وكانت له مهابة وحديث جميل، وكان محبا للشعر وينظمه، وله بعض القصائد الشعرية باللغة الدارجة. وكان مولعا بشعر الملا علي بن فايز حافظا له، ولعل ديوان بن فايز أخذ عنه، فقد كان حافظا له. رحم الله أبا علي الابن الأول الذي فجع فيه، وعلي الثاني الابن البار الذي خلد ذكر أبيه، وأعاد مجده بسلوكه المستقيم وعمله النافع.

اترك رداً على د عبد علي محمد حسن إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى