كان فجر العيد قد أشرق، وأشعة الشمس الذهبية تملأ الأفق، معلنة قدوم يوم الفرح والبهجة.
استيقظ سامي من نومه متكاسلًا، على غير عادته في الأعياد السابقة، حيث كان يقفز فرحًا ليبحث عن ثيابه الجديدة ويستعد لاستقبال الضيوف. لكنه اليوم شعر أن العيد لم يعد كما كان، ولم يجد في قلبه تلك السعادة التي كان يشعر بها عندما كان أصغر.
جلس على سريره يفكر وقال في نفسه:
“لماذا لم أعد أشعر بفرحة العيد كما كنت في الماضي؟ هل كبرتُ لدرجة أن العيد لم يعد يعني لي شيئًا؟”
نادى عليه والده بصوت دافئ:
“سامي، هيا يا بني! سنذهب إلى المسجد لأداء صلاة العيد”.
ارتدى سامي ثيابه الجديدة على مضض، وخرج مع والده إلى المسجد. في الطريق، رأى الأطفال يضحكون وهم يحملون أكياس العيديات، والأسر تسير في مجموعات وهي تتبادل التهاني، لكنه لم يشعر بالحماس كما كانوا يشعرون.
عندما وصل إلى المسجد، فوجئ بالمشهد المهيب: المصلون في صفوف متراصة، يكبرون بحماس وفرح. رفع والده يديه وقال بصوت مفعم بالإيمان:
“الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد”.
وقف سامي بين صفوف المصلين، وأدى الصلاة معهم. وبعد انتهاء الصلاة، رأى بعض الرجال يوزعون الصدقات على الفقراء، ورأى فرحة الأطفال وهم يحصلون على الهدايا، ثم التفت إلى والده وسأله:
“أبي، لماذا نخرج الصدقة في يوم العيد؟”
ابتسم والده وقال:
“يا بني، رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ‘اغنوهم في هذا اليوم عن السؤال.’ أي أن علينا أن نجعل الفقراء يشعرون بفرحة العيد مثلنا، فلا يشعرون بالحاجة أو الحزن في هذا اليوم المبارك.”
شعر سامي بشيء من الدفء في قلبه، لكنه لم يكن مقتنعًا تمامًا بعد.
بعد العودة إلى المنزل، استقبلت العائلة الضيوف، وبدأ الجميع يتبادلون التهاني، لكن سامي ظل جالسًا في زاوية المجلس، شارد الذهن. لاحظت جدته ذلك، فاقتربت منه وجلست بجانبه وقالت له بحنان:
“ما بالك يا سامي؟ أراك حزينًا في يوم ينبغي أن تكون فيه سعيدًا!”
تنهد سامي وقال:
“لا أعلم يا جدتي… كنت أحب العيد كثيرًا عندما كنت صغيرًا، لكنه الآن لم يعد كما كان”.
ابتسمت الجدة وهزّت رأسها قائلة:
“يا بني، العيد ليس مجرد حلوى وثياب جديدة، إنه شعور ينبع من القلب. هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ‘لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ، فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ’؟ فالعيد فرحة بعد الصيام والطاعة، وفرحته الحقيقية تكمن في القلوب التي نسعدها”.
ثم أضافت بحكمة:
“وقد قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: ‘إنما هو عيد لمن قُبل صيامه وشكر قيامه، وكل يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد’. فالعيد ليس فقط في المظاهر، بل في الطاعة والشكر ومشاركة الآخرين الفرحة”.
فكر سامي قليلًا، ثم سألها:
“لكن كيف أستطيع أن أشعر بسعادة العيد كما كنت من قبل؟”
ابتسمت الجدة وقالت:
“حسنًا، سأخبرك بسر: العيد يصبح أجمل عندما نسعد الآخرين. جرب أن تفعل شيئًا يجعل غيرك سعيدًا، وسترى كيف ستعود فرحة العيد إليك”.
نظر سامي إلى إخوته الصغار وهم يضحكون ويلعبون، ثم تذكر بعض الأطفال الفقراء الذين كان يراهم في الحي. فكر في كلام جدته، ثم قرر أن يفعل شيئًا مختلفًا هذه المرة.
ذهب إلى غرفته، وأخذ جزءًا من العيديات التي حصل عليها، وقرر أن يشتري بها بعض الحلوى والهدايا للأطفال الفقراء. خرج إلى السوق مع والده، واشترى الألعاب والحلوى، ثم توجه إلى الحي الذي يعيش فيه بعض الأطفال المحتاجين، وبدأ يوزع عليهم الهدايا.
رأى الفرح في عيونهم، وشعر بشيء لم يشعر به منذ فترة… شعور دافئ بالسعادة الحقيقية. عندها، أدرك أن العيد لم يفقد سحره، لكنه هو من نسي كيف يعيش فرحته الحقيقية.
عندما عاد إلى المنزل، وجد أفراد عائلته يجتمعون حول مائدة العيد، يتبادلون الأحاديث والضحكات، فجلس بينهم وهو يشعر براحة لم يشعر بها منذ زمن.
نظر إلى جدته وابتسم وقال لها:
“جدتي، كنتِ على حق… العيد يصبح أجمل عندما نسعد الآخرين”.
ابتسمت الجدة وقالت:
“هذا هو سر العيد يا سامي، وأتمنى أن تتذكره دائمًا”.
ضحك سامي مع عائلته، وشعر أن قلبه ممتلئ بالفرح، وعرف أن العيد لم يفقد سحره، بل هو من تعلم كيف يجده من جديد.